محمد متولي الشعراوي
720
تفسير الشعراوي
فإن اتسعت لكما كمية الماء معا فأهلا وسهلا ، وإن لم تتسع ، فصاحب الملكية أولى بالماء ، ولا يقولن هذا الآخر : « أنا مضطر لأن آخذها منه » . إن اضطراره سيدفع عنه المضرة ويوقعها في غيره . إذن ، فالمقاييس عند الضرورة تظل كما هي ، فلا بد من احترام الحق والسبق ، ولا يصح أن نتجاوز بالضرورة قدرها ، هذا معنى قوله : « فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ » ، وقوله الحق : « فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ » يدل على أن المسألة فيها إثم أباحها اللّه عز وجل للضرورة ؛ وذلك حتى لا نحلها تحليلا دائما ، فإذا ما زالت الضرورة عدنا إلى أصل الحكم . ويختم الحق الآية بقوله : « إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » ونتساءل : ما علاقة « غَفُورٌ رَحِيمٌ » بهذه الآية ؛ إن المغفرة والرحمة تقتضيان ذنوبا ، وما سبق كله هو قول الحق وتشريعه ، وتحريم الميتة إلا عند الضرورة هو كلام الحق ، والمضطر حين يأخذ منها على قدر الضرورة فإنما هو إباحة من الحق ، فلا ذنب - إذن - يقتضى تذييل الآية بقوله : « إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » ؟ . ونقول : إذا كان اللّه يغفر مع الذنب ، أفلا يغفر مع الضرورة التي شرع لها الحكم ، إن المنطق يقول : إن اللّه يغفر الذنب الذي يحدث بلا مناسبة تستدعيه ، أفلا يغفر للمضطر الذي أجبرته الظروف على أكل الميتة ؟ . إن اللّه غفور في الأصل ، أفلا يغفر لمن أعطاه رخصة ؟ إذن فهو غفور رحيم ، ولن يكتب على المضطر ذنبا من جراء اضطراره . إن رحمة اللّه التي تغفر للعاصي الذي اجترأ على الحق بلا مناسبة ، هو سبحانه الذي كتب المغفرة لمن اضطر وكسر قاعدة التحريم عند الاضطرار .